السيد محمد الصدر

61

منة المنان في الدفاع عن القرآن

فمَن كان وصفه هذا استحقّ أكبر حصّةٍ من العذاب . إلّا أنَّ هذا التصرّف خلاف الظاهر ؛ إذ الظاهر استفادة العموم من قوله : مَنْ تَوَلَّى ، ولا يمكن أن نخصّصه بالتولّي المطلق . نعم ، قد يكون ما ذُكر وجيهاً فيما إذا اضطررنا له ، كما لو انحصر الأمر بهذا الوجه ، فلابدّ من اللجوء إليه ولو كان خلاف الظاهر . الوجه الثاني : أن نتصرّف في ظهور الآية الثانية : فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ بأن نقول : إنَّ العذاب الأكبر ليس هو أشدّ العذاب ، أي : ليس هو العذاب المطلق ، بل هو مطلق العذاب الذي ينسجم مع العذاب الخفيف والمتوسّط والشديد . الوجه الثالث : أن ننظر إلى جهةٍ خاصّةٍ ، وهي الجهة النفسيّة لا الجهة الموضوعيّة أو الخارجيّة ، وذلك بتصوير أنَّ كلّ معذّبٍ من الناحية النفسيّة يجد أنَّ عذابه أشدّ العذاب وأشقّ من عذاب الآخرين ، ومعه يصدق أنَّ الله يعذّبه العذاب الأكبر ولو من جهة اعتقاده . الوجه الرابع : أنَّ الإشارة هنا إلى الاستحقاق لا إلى الفعليّة ، فمن جهةٍ له استحقاقٌ للعذاب الأكبر ، إلّا أنَّه من جهة الفعليّة قد لا يكون كذلك . والذي يدفعنا إلى هذا القول ما ثبت من أنَّ الله سبحانه قد سبقت رحمته غضبه في جميع المستويات ، فنقول هنا بأنَّه وإن كان زيدٌ مستحقّاً للعذاب الأكبر ، لكن قد تشمله الرحمة والمغفرة ، فلا يعاقب فعلًا ، أو يعذّب بغير العذاب الأكبر ؛ رحمةً منه سبحانه . إلّا أنَّ هذا أيضاً خلاف الظاهر ؛ لأنَّ الظاهر أنَّ المراد من العذاب الأكبر الفعليّة لا الاستحقاق .